الشيخ محمد رشيد رضا

527

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يعلم من هذه الآية وما بعدها ، والاصلاح ما يكون بفعل فاعل ، وهو إما الخالق الحكيم وحده ، وإما من سخرهم للاصلاح من الأنبياء والعلماء والحكماء الذين يأمرون بالقسط ، والحكام العادلين الذين يقيمون القسط وغيرهم من العاملين الذين ينفعون الناس في دينهم ودنياهم ، كالزراع والصناع والتجار أهل الأمانة والاستقامة ، وهذه الاعمال تتوقف في هذا العصر على علوم وفنون كثيرة ، فهي واجبة وفقا لقاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ( ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) الإشارة إلى كل ما تقدم من أمر ونهي - أي هو خير لكم في دينكم ودنياكم لا تكليف إعنات ، فربكم لا يأمركم إلا بما هو نافع لكم ولا ينهاكم إلا عما هو ضار بكم ، وهو على كل حال غني عنكم ، ولو شاء لأعنتكم ولكنه رحيم لا يفعل ذلك ، وانما تتحقق لكم خبرية ما ذكر ان كنتم مؤمنين بوحدانيته وصفاته تعالى وبرسوله وما جاءكم به عنه سبحانه من الدين والشرع . وسيأتي تعليل ذلك بعد بيان ما قيل في هذا الايمان فسر بعضهم الايمان هنا بالتصديق اللغوي أي اعتقاد صحة قوله عليه السّلام لما هو معروف به عندهم من الصدق والأمانة والنصح . بناء على أن خيرية الأوامر والنواهي الدنيوية لا تتوقف على عبادة اللّه وحده والايمان برسالة رسوله . وذهب بعض المفسرين إلى أن الإشارة إلى قوله ( فَأَوْفُوا الْكَيْلَ ) وما بعده دون ما قبله من الامر بعبادة اللّه تعالى وحده . وقال الطيبي إن مثل هذا الشرط انما يجاء به في آخر الكلام للتأكيد . وقال القطب الرازي إن ذلك ليس شرطا للخيرية نفسها بل لفعلهم كأنه قيل فائتوا به ان كنتم مصدقين بي . فلا يرد أنه لا توقف للخيرية في الانسانية على تصديقهم به . وقد أطالوا الاحتمالات في الآية حتى زعم الخيالي أن قوله ( ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ ) جملة معترضة ! ! وهو من خيالاته الغريبة التي انفرد بها والصواب أن هذا التذييل كأمثاله في الآن مقصود بالذات ، وان المعنى ذلكم الذي أمرتكم به من عبادة اللّه وحده وعدم اشراك شيء من خلقه في عبادته لما ترون فيه من خير نرجونه أو ضر تخافونه - ومن إيفاء الكيل والميزان بالقسط - وما نهيتكم عنه من الافساد في الأرض - ذلكم كله خير لكم في معاشكم ومعادكم . وانما تتحقق خيريته لكم ان كنتم مؤمنين باللّه ورسوله وما جاءكم به من هذه الأوامر والنواهي وغيرها . ذلك بأن الايمان يقتضي الاتباع والامتثال والعمل بجميع ما جاء به الرسول من عند اللّه وان خالف